فصل: سورة الزخرف

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏15- 16‏]‏

‏{‏فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آَمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ‏(‏15‏)‏ وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ‏(‏16‏)‏‏}‏

اللام في قوله‏:‏ ‏{‏فلذلك‏}‏ قالت فرقة‏:‏ هي بمنزلة إلى، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏بأن ربك أوحى لها‏}‏ ‏[‏الزلزلة‏:‏ 5‏]‏ أي إليها، كأنه قال‏:‏ فإلى ما وصى به الأنبياء من التوحيد ‏{‏فادع‏}‏، وقالت فرقة‏:‏ بل هي بمعنى من أجل كأنه قال‏:‏ فمن أجل أن الأمر كذا ولكونه كذا ‏{‏فادع‏}‏ أنت إلى ربك وبلغ ما أرسلت به‏.‏ وخوطب عليه السلام بأمر الاستقامة، وقد كان مستقيماً، بمعنى‏:‏ دم على استقامتك، وهكذا الشأن في كل مأمور بشيء هو متلبس به إنما معناه الدوام، وهذه الآية ونحوها كانت نصب عين النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت شديدة الموقع من نفسه، أعني قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فاستقم كما أمرت‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 112‏]‏ لأنها جملة تحتها جميع الطاعات وتكاليف النبوءة، وفي هذا المعنى قال عليه السلام‏:‏ «شيبتني هود وأخواتها»، فقيل له‏:‏ لم ذلك‏؟‏ فقال‏:‏ لأن فيها ‏{‏فاستقم كما أمرت‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 112‏]‏ وهذا الخطاب له عليه السلام بحسب قوته في أمر الله تعالى وقال هو لأمته بحسب ضعفهم استقيموا‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تتبع أهواءهم‏}‏ يعني قريشاً فيما كانوا يهوونه من أن يعظم آلهتهم وغير ذلك، ثم أمره تعالى أن يؤمن بالكتب المنزلة قبله من عند الله، وهو أمر يعم سائر أمته‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأمرت لأعدل بينكم‏}‏ قالت فرقة‏:‏ اللام في ‏{‏لأعدل‏}‏ بمعنى‏:‏ أن، التقدير‏:‏ بأن أعدل بينكم‏.‏ وقالت فرقة المعنى‏:‏ وأمرت بما أمرت به من التبليغ والشرع لكي أعدل بينكم، فحذف من الكلام ما يدل الظاهر عليه‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم‏}‏ إلى آخر الآية منسوخ ما فيه من موادعة بآية السيف‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏لا حجة بيننا وبينكم‏}‏ أي لا جدال ولا مناظرة، قد وضح الحق وأنتم تعاندون، وفي قوله تعالى‏:‏ ‏{‏الله يجمع بيننا‏}‏ وعيد‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏والذين يحاجون في الله‏}‏ قال ابن عباس ومجاهد إنها نزلت في طائفة من بني إسرائيل همت برد الناس عن الإسلام وإضلالهم ومجادلتهم بأن قالوا‏:‏ كتابنا قبل كتابكم، ونبينا قبل نبيكم، فديننا أفضل، فنزلت الآية في ذلك، وقيل بل نزلت في قريش لأنها كانت أبداً تحاول هذا المعنى وتطمع في رد الجاهلية و‏:‏ ‏{‏يحاجون في الله‏}‏ معناه في توحيد الله، أي يحاجون فيه بالإبطال والإلحاد وما أشبه، والضمير في‏:‏ ‏{‏له‏}‏ يحتمل أن يعود على ‏{‏الله‏}‏ تعالى، أي بعد ما دخل في دينه، ويحتمل أن يعود على الدين والشرع، ويحتمل أن يعود على محمد عليه السلام‏.‏ و‏:‏ ‏{‏داحضة‏}‏ معناه‏:‏ زاهقة‏.‏ والدحض‏:‏ الزلق، وباقي الآية بيّن‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏17- 20‏]‏

‏{‏اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ ‏(‏17‏)‏ يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ ‏(‏18‏)‏ اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ ‏(‏19‏)‏ مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ ‏(‏20‏)‏‏}‏

لما أنحى القول على الذين يحاجون في توحيد الله ويرومون إطفاء نوره، صدع في هذه الآية بصفة من أنزل الكتاب الهادي للناس‏.‏ و‏:‏ ‏{‏الكتاب‏}‏ هنا اسم جنس يعم جميع الكتب المنزلة‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏بالحق‏}‏ يحتمل أن يكون المعنى بأن كان ذلك حقاً واجباً للمصلحة والهدى، ويحتمل أن يكون المعنى مضمناً الحق، أي بالحق في أحكامه وأوامره‏.‏ و‏{‏الميزان‏}‏ هنا العدل، قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والناس‏.‏ وحكى الثعلبي عن مجاهد أنه قال‏:‏ هو هنا الميزان الذي بأيدي الناس‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ ولا شك أنه داخل في العدل وجزء منه وكل شيء من الأمور، فالعدل فيه إنما هو بوزن وتقدير مستقيم، فيحتاج في الأجرام إلى آلة، وهي العمود والكفتان التي بأيدي البشر، ويحتاج في المعاني إلى هيئات في النفوس وفهوم توازن بين الأشياء‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وما يدريك، لعل الساعة قريب‏}‏ وعيد للمشركين، أي فانظر في أي غورهم وجاء لفظ‏:‏ ‏{‏قريب‏}‏ مذكراً من حيث تأنيث الساعة غير حقيقي، وإذ هي بمعنى الوقت‏.‏

ثم وصف تعالى حال الجهلة الكاذبين بها، فهم لذلك يستعجلون بها، أي يطلبون تعجيلها ليبين العجز ممن يحققها، فالمصدق بها مشفق خائف، والمكذب مستعجل مقيم لحجته على تكذيبه بذلك المستعجل به‏.‏ ثم استفتح الإخبار عن الممارين في الساعة بأنهم في ضلال قد بعد بهم، فرجوعهم عنه صعب متعذر، وفي هذا الاستفتاح مبالغة وتأكيد وتهيئة لنفس السامع، ثم رجى تبارك وتعالى عباده بقوله‏:‏ ‏{‏الله لطيف بعباده‏}‏، و‏:‏ ‏{‏لطيف‏}‏ هنا بمعنى‏:‏ رفيق متحف، والعباد هنا‏:‏ المؤمنون ومن سبق له الخلود في الجنة، وذلك أن الأعمال بخواتمها، ولا لطف إلا ما آل إلى الرحمة، وأما الإنعام على الكافرين في الدنيا فليس بلطف بهم، بل هو إملاء واستدراج‏.‏ وقال الجنيد‏:‏ لطف بأوليائه حتى عرفوه ولو لطف بالكفار لما جحدوه، وقيل‏:‏ ‏{‏لطيف‏}‏ معناه في أن نشر عنهم المناقب، وستر عليهم المثالب‏.‏ وقيل هو الذي لا يخاف إلا عدله، ولا يرجى إلا فضله‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏من كان يريد‏}‏ معناه‏:‏ إرادة مستعد عامل عارف، لا إرادة متمن لم يدر نفسه‏.‏ والحرث في هذه الآية‏:‏ عبارة عن السعي والتكسب والإعداد‏.‏

ولما كان حرث الأرض أصلاً من أصول المكاسب استعير لكل متكسب، ومنه قول ابن عمر‏:‏ احرث لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏نزد في حرثه‏}‏ وعد منتجز‏.‏

وقوله في‏:‏ ‏{‏حرث الدنيا نؤته منها‏}‏ معناه‏:‏ ما شئنا ولمن شئنا، فرب ممتحن مضيق عليه حريص على حرث الدنيا مريد له لا يحس بغيره، نعوذ بالله من ذلك، وهذا الذي لا يعقل غير الدنيا هو الذي نفى أن يكون له نصيب في الآخرة‏.‏

وقرأ سلام‏:‏ «نؤتهُ» برفع الهاء وهي لغة لأهل الحجاز، ومثله قراءتهم‏:‏ ‏{‏فخسفنا به وبداره الأرض‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 81‏]‏ برفع الهاء فيهما‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏21- 23‏]‏

‏{‏أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ‏(‏21‏)‏ تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ‏(‏22‏)‏ ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ ‏(‏23‏)‏‏}‏

‏{‏أم‏}‏ هذه هي منقطعة لا معادلة، وهي بتقدير بل وألف الاستفهام‏.‏ والشركاء في هذه الآية‏:‏ يحتمل أن يكون المراد بهم الشياطين والمغوين من أسلافهم، ويكون الضمير في ‏{‏لهم‏}‏ للكفار المعاصرين لمحمد صلى الله عليه وسلم، أي شرع الشركاء لهم ما لم يأذن به الله، فالاشتراك ها هنا هو في الكفر والغواية، وليس بشركة الإشراك بالله، ويحتمل أن يكون المراد ب «الشركاء»‏:‏ الأصنام والأوثان على معنى‏:‏ أم لهم أصنام جعلوها شركاء لله في ألوهيته، ويكون الضمير‏:‏ في‏:‏ ‏{‏شرعوا‏}‏ لهؤلاء المعاصرين من الكفار ولآبائهم‏.‏ والضمير في‏:‏ ‏{‏لهم‏}‏ للأصنام الشركاء، أي شرع هؤلاء الكفار لأصنامهم وأوثانهم ما لم يأذن به الله، و‏:‏ ‏{‏شرعوا‏}‏ معناه‏:‏ أثبتوا ونهجوا ورسموا‏.‏ و‏{‏الدين‏}‏ هنا العوائد والأحكام والسيرة، ويدخل في ذلك أيضاً المعتقدات، لأنهم في جميع ذلك وضعوا أوضاعاً، فأما في المعتقدات فقولهم إن الأصنام آلهة، وقولهم إنهم يعبدون الأصنام زلفى وغير ذلك، وأما في الأحكام فكالبحيرة والوصيلة والحامي وغير ذلك من السوائب ونحوها، والإذن في هذه الآية الأمر‏.‏ و‏{‏كلمة الفصل‏}‏‏:‏ هي ما سبق من قضاء الله تعالى بأنه يؤخر عقابهم إلى الآخرة والقضاء بينهم‏:‏ هو عذابهم في الدنيا ومجازاتهم‏.‏

وقرأ جمهور الناس‏:‏ «وإن الظالمين» بكسر الهمزة على القطع والاستئناف‏.‏ وقرأ مسلم بن جندب «وأن الظالمين» بفتح الهمزة، وهي في موضع رفع عطف على‏:‏ ‏{‏كلمة‏}‏ المعنى‏:‏ وأن الظالمين لهم في الآخرة عذاب‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏ترى الظالمين‏}‏ هي رؤية بصر، و‏{‏الظالمين‏}‏ مفعول، و‏:‏ ‏{‏مشفقين‏}‏ حال وليس لهم في هذا الإشفاق مدح، لأنهم إنما أشفقوا حين نزل بهم ووقع، وليسوا كالمؤمنين الذين هم في الدنيا مشفقون من الساعة كما تقدم‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وهو واقع بهم‏}‏ جملة في موضع الحال‏.‏ والروضات‏:‏ المواضع المؤنفة النظرة، وهي مرتفعة في الأغلب من الاستعمال، وهي الممدوحة عند العرب وغيرهم، ومن ذلك قوله تعالى ‏{‏كمثل جنة بربوة‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 265‏]‏ ومن ذلك تفضيلهم روضات الحزن لجودة هوائها‏.‏ قال الطبري‏:‏ ولا تقول العرب لموضع الأشجار رياض‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ذلك الذي يبشر الله عباده‏}‏ إشارة إلى قوله تعالى في الآية الأخرى‏:‏ ‏{‏وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلاً كبيراً‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 47‏]‏‏.‏

وقرأ جمهور الناس‏:‏ «يُبشِّرهم» بضم الياء وفتح الباء وشد الشين المكسورة، وذلك على التعدية بالتضعيف‏.‏ وقرأ مجاهد وحميد‏:‏ «يُبْشِر» بضم الياء وسكون الباء وكسر الشين على التعدية بالهمزة‏.‏ قرأ ابن مسعود وابن يعمر وابن أبي إسحاق والجحدري والأعمش وطلحة‏:‏ «يَبشُر» بفتح الياء وضم الشين، ورويت عن ابن كثير‏.‏ وقال الجحدري في تفسيرها ترى النضرة في الوجوه‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قل لا أسألكم عليه إلا المودة في القربى‏}‏ اختلف الناس في معناه، فقال له ابن عباس وغيره‏:‏ هي آية مكية نزلت في صدر الإسلام ومعناها استكفاف شر الكفار ودفع أذاهم أي ما أسألكم على القرآن والدين والدعاء إلى الله إلا أن تودوني لقرابة هي بيني وبينكم فتكفوا عني أذاكم‏.‏

قال ابن عباس وابن إسحاق وقتادة‏:‏ ولم يكن في قريش بطن إلا ولرسول الله صلى الله عليه وسلم فيه نسب أو صهر، فالآية على هذا هي استعطاف ما، ودفع أذى وطلب سلامة منهم، وذلك كله منسوخ بآية السيف، ويحتمل على هذا التأويل أن يكون معنى الكلام استدعاء نصرهم، أي لا أسألكم غرامة ولا شيئاً إلا أن تودوني لقرابتي منكم وأن تكونوا أولى بي من غيركم‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ المعنى إلا أن تصلوا رحمي باتباعي‏.‏ وقال ابن عباس أيضاً ما يقتضي أنها مدنية، وسببها أن قوماً من شباب الأنصار فاخروا المهاجرين ومالوا بالقول على قريش، فنزلت الآية في ذلك على معنى إلا أن تودوني فتراعونني في قرابتي وتحفظونني فيهم، وقال بهذا المعنى في الآية علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، واستشهد بالآية حين سيق إلى الشام أسيراً، وهو تأويل ابن جبير وعمرو بن شعيب، وعلى هذا التأويل قال ابن عباس، قيل يا رسول الله، من قرابتك الذين أُمرنا بمودتهم‏؟‏ فقال‏:‏ علي وفاطمة وابناهما، وقيل هو ولد عبد المطلب‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وقريش كلها عندي قربى وإن كانت تتفاضل، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ «من مات على حب آل محمد مات شهيداً، ومن مات على بغضهم لم يشم رائحة الجنة» وقال ابن عباس في كتاب الثعلبي‏:‏ سبب هذه الآية أن الأنصار جمعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم مالاً وساقته إليه فرده عليهم ونزلت الآية في ذلك‏.‏ وقال ابن عباس أيضاً، معنى الآية‏:‏ من قربى الطاعة والتزلف إلى الله تعالى‏:‏ كأنه قال‏:‏ إلا أن تودوني، لأني أقربكم من الله، وأريد هدايتكم وأدعوكم إليها‏.‏ وقال الحسن بن أبي الحسن معناه‏:‏ إلا أن يتوددوا إلى الله بالتقرب إليه‏.‏ وقال عبد الله بن القاسم في كتاب الطبري معنى الآية‏:‏ إلا أن تتوددوا بعضكم إلى بعض وتصلوا قراباتكم، فالآية على هذا أمر بصلة الرحم‏.‏ وذكر النقاش عن ابن عباس ومقاتل والكلبي والسدي أن الآية منسوخة بقوله تعالى في سورة سبأ ‏{‏قل ما سألتكم من أجر فهو لكم‏}‏ ‏[‏سبأ‏:‏ 47‏]‏ والصواب أنها محكمة، وعلى كل قول فالاستثناء منقطع، و‏:‏ ‏{‏إلا‏}‏ بمعنى‏:‏ لكن‏.‏ و‏:‏ ‏{‏يقترف‏}‏ معناه يكتسب، ورجل قرفة‏:‏ إذا كان محتالاً كسوباً‏.‏

وقرأت فرقة «يزد» على إسناد الفعل إلى الله تعالى، وقرأ جمهور الناس‏:‏ «نزد» على نون العظمة، وزيادة الحسن هو التضعيف الذي وعد الله تعالى به مؤمني عباده، قاله الحسن بن أبي الحسن‏.‏ و‏:‏ ‏{‏غفور‏}‏ معناه‏:‏ ساتر عيوب عبيده‏.‏ و‏:‏ ‏{‏شكور‏}‏ معناه‏:‏ مجاز على الدقيقة من الخير لا يضيع عنده لعامل عمل‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏24- 27‏]‏

‏{‏أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ‏(‏24‏)‏ وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ‏(‏25‏)‏ وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ‏(‏26‏)‏ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ ‏(‏27‏)‏‏}‏

‏{‏أم‏}‏ هذه أيضاً منقطعة مضمنة إضراباً عن كلام متقدم وتقريراً على هذه المقالة منهم‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فإن يشأ الله يختم‏}‏ معناه في قول قتادة وفرقة من المفسرين‏:‏ ينسيك القرآن، والمراد الرد على مقالة الكفار وبيان إبطالها، وذلك كأنه يقول‏:‏ وكيف يصح أن تكون مفترياً وأنت من الله بمرأى ومسمع، وهو قادر لو شاء على أن يختم على قلبك فلا تعقل ولا تنطق ولا يستمر افتراؤك، فمقصد اللفظ هذا المعنى وحذف ما يدل عليه الظاهر اختصاراً واقتصاراً‏.‏ وقال مجاهد في كتاب الثعلبي وغيره، المعنى‏:‏ ‏{‏فإن يشأ الله يختم على قلبك‏}‏ بالصبر لأذى الكفار ويربط عليه بالجلد، فهذا تأويل لا يتضمن الرد على مقالتهم‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ويمح‏}‏ فعل مستقبل خبر من الله أنه يمحو الباطل ولا بد إما في الدنيا وإما في الآخرة، وهذا بحسب نازلة‏.‏ وكتبت ‏{‏يمح‏}‏ في المصحف بحاء مرسلة كما كتبوا‏:‏ ‏{‏ويدع الإنسان‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 11‏]‏ إلى غير ذلك مما ذهبوا فيه إلى الحذف والاختصار‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏بكلماته‏}‏ معناه‏:‏ بما سبق في قديم علمه وإرادته من كون الأشياء بالكلمات المعاني القائمة التي لا تبديل لها‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إنه عليم بذات الصدور‏}‏ خبر مضمنه وعيد‏.‏ ثم ذكر النعمة في تفضله بقبول التوبة عن عباده، وقبول التوبة فيما يستأنف العبد من زمنه وأعماله مقطوع به بهذه الآية، وأما ما سلف من أعماله فينقسم‏:‏ فأما التوبة من الكفر فماحية كل ما تقدمها من مظالم العباد الفانية، وأما التوبة من المعاصي فلأهل السنة قولان، هل تذهب المعاصي السالفة للعبد بينه وبين خالقه‏؟‏ فقالت فرقة‏:‏ هي مذهبة لها، وقالت فرقة‏:‏ هي في مشيئة الله تعالى، وأجمعوا على أنها لا تذهب مظالم العباد‏.‏

وحقيقة التوبة‏:‏ الإقلاع عن المعاصي والإقبال والرجوع إلى الطاعات، ويلزمها الندم على ما فات، والعزم على ملازمة الخيرات‏.‏ وقال سري السقطي‏:‏ والتوبة‏:‏ العزم على ترك الذنوب، والإقبال بالقلب إلى علام الغيوب‏.‏ وقال يحيى بن معاذ‏:‏ التائب من كسر شبابه على رأسه وكسر الدنيا على رأس الشيطان ولزم الفطام حتى أتاه الحمام‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏عن عباده‏}‏ بمعنى‏:‏ من عباده، وكأنه قال‏:‏ التوبة الصادرة عن عباده‏.‏

وقرأ جمهور القراء والأعرج وأبو جعفر والجحدري وقتادة‏:‏ «يفعلون» بالياء على الكناية عن غائب‏.‏ وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم وابن مسعود وعلقمة‏:‏ «تفعلون» بالتاء على المخاطبة، وفي الآية توعد‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ويستجيب‏}‏ قال الزجاج وغيره معناه‏:‏ يجيب، والعرب تقول‏:‏ أجاب واستجاب بمعنى ومنه قول الشاعر ‏[‏كعب بن سعد الغنوي‏]‏‏:‏ ‏[‏الطويل‏]‏

وداع دعا يا من يجيب الندا *** فلم يستجبه عند ذاك مجيب

و‏:‏ ‏{‏الذين‏}‏ على هذاا لقول مفعول ب ‏{‏يستجيب‏}‏، وروي هذا المعنى عن معاذ بن جبل ونحوه عن ابن عباس، وقالت فرقة المعنى‏:‏ ويستدعي الذين آمنوا الإجابة من ربهم بالأعمال الصالحة‏.‏

ودل قوله‏:‏ ‏{‏ويزيدهم من فضله‏}‏ على أن المعنى فيجيبهم، وحملت هذه الفرقة استجاب على المعهود من باب استفعل، أي طلب الشيء‏.‏ و‏:‏ ‏{‏الذين‏}‏ على هذا القول فاعل ب ‏{‏يستجيب‏}‏‏.‏ وقالت فرقة‏:‏ المعنى ويجيب المؤمنون ربهم، ف ‏{‏الذين‏}‏‏:‏ فاعل بمعنى يجيبون دعوة شرعه ورسالته‏.‏ والزيادة من فضله‏:‏ هي تضعيف الحسنات، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ «هي قبول الشفعات في المذنبين والرضوان»‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض‏}‏ قال عمرو بن حريث وغيره إنها نزلت لأن قوماً من أهل الصفة طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يغنيهم الله ويبسط لهم الأموال والأرزاق، فأعلمهم الله تعالى أنه لو جاء الرزق على اختيار البشر واقتراحهم لكان سبب بغيهم وإفسادهم، ولكنه تعالى أعلم بالمصلحة في كل أحد، وله بعبيده خبرة وبصر بأخلاقهم ومصالحهم، فهو ينزل لهم من الرزق القدر الذي به صلاحهم، فرب إنسان لا يصلح وتكتف عاديته إلا بالفقر وآخر بالغنى‏.‏ وروى أنس بن مالك في هذا المعنى التقسم حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال أنس‏:‏ اللهم إني من عبادك الذين لا يصلحهم إلا الغنى، فلا تفقرني‏.‏ وقال خباب بن الأرتّ‏:‏ فينا نزلت‏:‏ ‏{‏ولو بسط الله الرزق‏}‏ الآية، لأنا نظرنا إلى أموال بني قريظة وبني النضير وبني قينقاع فتمنيناها فنزلت الآية‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏28- 33‏]‏

‏{‏وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ ‏(‏28‏)‏ وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ ‏(‏29‏)‏ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ‏(‏30‏)‏ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ‏(‏31‏)‏ وَمِنْ آَيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ ‏(‏32‏)‏ إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ‏(‏33‏)‏‏}‏

هذه تعديد نعمة الله تعالى الدالة على وحدانيته، وأنه الإله الذي يستحق أن يعبد دون سواه من الأنداد‏.‏

وقرأ «يُنَزِّل» مثقلة جمهور القراء، وقرأها «يُنْزِل» مخففة ابن وثاب والأعمش، ورويت عن أبي عمرو، ورجحها أبو حاتم، وقرأ جمهور الناس‏:‏ «قنَطوا» بفتح النون، وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش‏:‏ بكسر النون، وقد تقدم ذكرها وهما لغتان‏:‏ قنَط، وقنِط، وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قيل له‏:‏ أجدبت الأرض وقنط الناس، فقال‏:‏ مطروا إذاً، بمعنى أن الفرج عند الشدة، واختلف المتأولون في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وينشر رحمته‏}‏ فقالت فرقة‏:‏ أراد بالرحمة المطر، وعدد النعمة بعينها بلفظتين‏:‏ الثاني منهما يؤكد الأول‏.‏ وقالت فرقة‏:‏ الرحمة في هذا الموضع الشمس، فذلك تعديد نعمة غير الأولى، وذلك أن المطر إذا ألم بعد القنط حسن موقعه، فإذا دام سئم، فتجيء الشمس بعده عظيمة الموضع‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وهو الولي الحميد‏}‏ أي من هذه أفعاله فهو الذي ينفع إذا والى وتحمد أفعاله ونعمه، لا كالذي لا يضر ولا ينفع من أوثانكم‏.‏ ثم ذكر تعالى الآية الكبرى، الصنعة الدالة على الصانع، وذلك ‏{‏خلق السماوات والأرض‏}‏‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما بث فيهما‏}‏ يتخرج على وجوه، منها أن يريد إحداهما فيذكر الاثنين كما قال‏:‏ ‏{‏يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان‏}‏ ‏[‏الرحمن‏:‏ 22‏]‏ وذلك إنما يخرج من الملح وحده، ومنها أن يكون تعالى قد خلق السماوات وبث دواب لا نعلمها نحن، ومنها أن يريد الحيوانات التي توجد في السحاب، وقد يقع أحياناً كالضفادع ونحوها، فإن السحاب داخل في اسم السماء‏.‏ وحكى الطبري عن مجاهد أنه قال في تفسير‏:‏ ‏{‏وما بث فيهما من دابة‏}‏ هم الناس والملائكة، وبعيد غير جار على عرف اللغة أن تقع الدابة على الملائكة‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وهو على جمعهم‏}‏ يريد القيامة عند الحشر من القبور وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما أصابكم من مصيبة‏}‏ قرأ جمهور القراء‏:‏ «فبما» بفاء، وكذلك هي في جل المصاحف‏.‏ وقرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر وشيبة‏:‏ «بما» دون فاء‏.‏ وحكى الزجاج أن أبا جعفر وحده من المدنيين أثبت الفاء‏.‏ قال أبو علي الفارسي‏:‏ «أصاب»، من قوله‏:‏ «وما أصاب» يحتمل أن يكون في موضع جزم، وتكون ‏{‏ما‏}‏ شرطية، وعلى هذا لا يجوز حذف الفاء عند سيبويه، وجوز حذفها أبو الحسن الأخفش وبعض البغداديين على أنها مرادة في المعنى، ويحتمل أن يكون «أصاب» صلة لما، وتكون ‏{‏ما‏}‏ بمعنى الذي، وعلى هذا يتجه حذف الفاء وثبوتها، لكن معنى الكلام مع ثبوتها التلازم، أي لولا كسبكم ما أصابتكم مصيبة، والمصيبة إنما هي بسبب كسب الأيدي، ومعنى الكلام مع حذفها يجوز أن يكون التلازم، ويجوز أن يعرى منه، وأما في هذه الآية فالتلازم مطرد مع الثبوت والحذف‏.‏

وأما معنى الآية فاختلف الناس فيه، فقالت فرقة‏:‏ هي إخبار من الله تعالى بأن الرزايا والمصائب في الدنيا إنما هي مجازاة من الله تعالى على ذنوب المرء وخطاياه، وأن الله تعالى يعفو عن كثير فلا يعاقب عليه بمصيبة، وقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «لا يصيب ابن آدم خدش عود أو عثرة قدم ولا اختلاج عرق إلا بذنب وما يعفو عنه أكثر» وقال عمران بن حصين وقد سئل عن مرضه إن أحبه إلي أحبه إلى الله، وهذا بما كسبت يداي، وعفو ربي كثير‏.‏ وقال مرة الهمداني‏:‏ رأيت على ظهر كف شريح قرحة فقلت ما هذا‏؟‏ قال هذا بما كسبت يدي ‏{‏ويعفو عن كثير‏}‏، وقيل لأبي سليمان الداراني‏:‏ ما بال الفضلاء لا يلومون من أساء إليهم‏؟‏ فقال لأنهم يعلمون أن الله تعالى هو الذي ابتلاهم بذنوبهم‏.‏ وروي عن علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ «إن الله أكرم من أن يثني على عبده العقوبة إذا أصابته في الدنيا بما كسبت يداه»‏.‏ وقال الحسن بن أبي الحسن، معنى الآية في الحدود‏:‏ أي ما أصابكم من حد من حدود الله، وتلك مصائب تنزل بشخص الإنسان ونفسه، فإنما هي بكسب أيديكم ‏{‏ويعفو عن كثير‏}‏، فستره على العبد حتى لا يحد عليه‏.‏ ثم أخبر عن قصور ابن آدم وضعفه وأنه في قبضة القدرة، لا يعجز طلب ربه، ولا يمكنه الفرار منه و‏{‏الجواري‏}‏ جمع جارية، وهي السفينة‏.‏

وقرأ‏:‏ «الجواري» بالياء نافع وعاصم وأبو عمرو وأبو جعفر وشيبة، ومنهم من أثبتها في الوصل ووقف على الراء‏.‏ وقرأ أيضاً عاصم بحذف الياء في وصل ووقف‏.‏ وقال أبو حاتم‏:‏ نحن نثبتها في كل حال‏.‏

و‏:‏ «الأعلام» الجبال، ومنه قول الخنساء‏:‏ ‏[‏البسيط‏]‏

وإن صخراً لتأتم الهداة به *** كأنه علم في رأسه نار

ومنه المثل‏:‏ إذا قطعن علماً بدا علم فجري السفن في الماء آية عظيمة، وتسخير الريح لذلك نعمة منه تعالى، وهو تعالى لو شاء أن يديم سكون الريح عنها لركدت أي أقامت وقرت ولم يتم منها غرض‏.‏

وقرأ أبو عمرو وعاصم «الريح» واحدة‏.‏ وقرأ‏:‏ «الرياح» نافع وابن كثير والحسن‏.‏

وقرأ الجمهور‏:‏ «فيظلَلن» بفتح اللام‏.‏ وقرأ قتادة‏:‏ «فيظلِلن» بكسر اللام‏.‏

وباقي الآية فيه الموعظة وتشريف الصبار الشكور بالتخصيص، والصبر والشكر فيهما الخير كله، ولا يكونان إلا في عالم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏34- 38‏]‏

‏{‏أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ ‏(‏34‏)‏ وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ ‏(‏35‏)‏ فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ‏(‏36‏)‏ وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ ‏(‏37‏)‏ وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ‏(‏38‏)‏‏}‏

أوبقت الرجل إذا أنشبته في أمر يهلك فيه، فالإيباق في السفن هو تغريقها، والضمير في‏:‏ ‏{‏كسبوا‏}‏ هو لركابها من البشر، أي بذنوب البشر‏.‏ ثم ذكر تعالى ثانية‏:‏ ‏{‏ويعف عن كثير‏}‏ مبالغة وإيضاحاً‏.‏

وقرأ نافع وابن عامر والأعرج وأبو جعفر وشيبة‏:‏ «ويعلمُ» بالرفع على القطع والاستئناف، وحسن ذلك إذا جاء بعد الجزاء‏.‏ وقرأ الباقون والجمهور‏:‏ «ويعلمَ» بالنصب على تقدير‏:‏ أن، وهذه الواو نحو التي يسميها الكوفيون واو الصرف، لأن حقيقة واو الصرف هي التي يريد بها عطف فعل على اسم، فيقدر أن لتكون مع الفعل بتأويل المصدر فيحسن عطفه على اسم، وذلك نحو قول الشاعر‏:‏ ‏[‏الطويل‏]‏

تقضي لبانات ويسأم سائم *** فكأنه أراد‏:‏ وسآمة سائم، فقدر‏:‏ وأن يسأم لتكون ذلك بتأويل المصدر الذي هو سآمة قال أبو علي‏:‏ حسن النصب إذ كان قبله شرط وجزاء، وكل واحد منهما غير واجب وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ما لهم من محيص‏}‏ هو معلموهم الذي أراد أن يعلمه المجادلون في آياته عز وجل‏.‏ والمحيص‏:‏ المنجي وموضوع الروغان، يقال حاص إذا راغ، وفي حديث هرقل‏:‏ فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب، ثم وعظ تعالى عباده وحقر عندهم أمر الدنيا وشأنها ورغبهم فيما عنده من نعيمهم والمنزلة الرفيعة لديه، وعظم قدر ذلك في قوله‏:‏ ‏{‏فما أوتيتم‏}‏ الآية‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏والذين يجتنبون‏}‏ عطف على قوله‏:‏ ‏{‏الذين آمنوا‏}‏‏.‏ وقرأ جمهور الناس‏:‏ «كبائر» على الجمع‏.‏ قال الحسن‏:‏ هي كل ما توعد فيه بالنار‏.‏ وقال الضحاك‏:‏ أو كان فيه حد من الحدود‏.‏ وقال ابن مسعود‏:‏ الكبائر من أول سورة النساء إلى رأس ثلاثين آية‏.‏ وقال علي وابن عباس‏:‏ هي كل ما ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب‏.‏ وقرأ حمزة والكسائي وعاصم‏:‏ «كبير» على الإفراد الذي هو اسم الجنس‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ كبير الإثم‏:‏ هو الشرك‏.‏ ‏{‏والفواحش‏}‏ قال السدي‏:‏ الزنا‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ موجبات الحدود، ويحتمل أن يكون كبير اسم جنس بمعنى كبائر، فتدخل موبقات السبع على ما قد تفسر من أمرها في غير هذه‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإذا ما غضبوا هم يغفرون‏}‏ حض على كسر الغضب والتدرب في إطفائه، إذ هو جمهرة من جهنم وباب من أبوابها، «وقال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ أوصني، قال‏:‏ لا تغضب، قال‏:‏ زدني، قال‏:‏ لا تغضب‏.‏ قال‏:‏ زدني‏:‏ قال‏:‏ لا تغضب ومن جاهد هذا العارض من نفسه حتى غلبه فقد كفي هماً عظيماً في دنياه وآخرته»‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏والذين استجابوا‏}‏ مدح لكل من آمن بالله وقبل شرعه، ومدح تعالى القوم الذين أمرهم شورى بينهم، لأن في ذلك اجتماع الكلمة والتحاب واتصال الأيدي والتعاضد على الخير، وفي الحديث‏:‏ «ما تشاور قوم إلا هدوا لأحسن ما بحضرتهم»‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏ومما رزقناهم ينفقون‏}‏ معناه في سبيل الله وبرسم الشرع وعلى حدوده، وفي القوام الذي مدحه تعالى في غير هذه الآية‏.‏ وقال ابن زيد قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والذين استجابوا لربهم‏}‏ الآية نزلت في الأنصار، والظاهر أن الله تعالى مدح كل من اتصف بهذه الصفة كائناً من كان، وهل حصل الأنصار في هذه الصفة إلا بعد سبق المهاجرين لها رضي الله تعالى عن جميعهم بمنه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏39- 41‏]‏

‏{‏وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ‏(‏39‏)‏ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ‏(‏40‏)‏ وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ ‏(‏41‏)‏‏}‏

مدح الله تعالى في هذه الآية قوماً بالانتصار من البغي، ورجح ذلك قوم من العلماء وقالوا‏:‏ الانتصار بالواجب تغيير منكر، ومن لم ينتصر مع إمكان الانتصار فقد ترك تغيير المنكر واختلف الناس في المراد بالآية بعد اتفاقهم على أن من بغي عليه وظلم فجائز له أن ينتصر بيد الحق وحاكم المسلمين، فقال مقاتل‏:‏ الآية في المجروح ينتصف من الجارح بالقصاص‏.‏ وقالت فرقة‏:‏ إنها نزلت في بغي المشرك على المؤمن، فأباح الله لهم الانتصار منهم دون تعدٍّ، وجعل العفو والإصلاح مقروناً بأجر، ثم نسخ ذلك بآية السيف، وقالت هذه الفرقة وهي الجمهور؛ إن المؤمن إذا بغى على مؤمن وظلمه، فلا يجوز للآخر أن ينتصف منه بنفسه ويجازيه على ظلمه، مثال ذلك‏:‏ أن يخون الإنسان آخر ثم يتمكن الإنسان من خيانته، فمذهب مالك رحمه الله أن لا يفعل، وهو مذهب جماعة عظيمة معه، ولم يروا هذه الآية من هذا المعنى، واحتجوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك»‏.‏ وهذا القول أنزه وأقرب إلى الله تعالى‏.‏ وقالت طائفة من أهل العلم‏:‏ هذه الآية عامة في المشركين والمؤمنين، ومن بغي عليه وظلم فجائز له أن ينتصف لنفسه ويخون من خانه في المال حتى ينتصر منه، وقالوا إن الحديث‏:‏ «ولا تخن من خانك»، إنما هو في رجل سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم هل يزني بحرمة من زنا بحرمته‏؟‏ فقال له النبي عليه السلام‏:‏ ذلك يريد به الزنا، وكذلك ورد الحديث في معنى الزنا، ذكر ذلك الرواة، أما أن عمومه ينسحب في كل شيء‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وجزاء سيئة سيئة‏}‏ قال الزجاج‏:‏ سمى العقوبة باسم الذنب‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وهذا إذا أخذنا السيئة في حق الله تعالى بمعنى المعصية، وذلك أن المجازاة من الله تعالى ليست سيئة إلا بأن سميت باسم موجبتها، وأما إن أخذنا السيئة بمعنى المعصية في حق البشر، أي يسوء هذا هذا ويسوء الآخر، فلسنا نحتاج إلى أن نقول سمى العقوبة باسم الذنب، بل الفعل الأول والآخر ‏{‏سيئة‏}‏ وقال ابن أبي نجيح والسدي معنى الآية‏:‏ أن الرجل إذا شتم بشتمة فله أن يردها بعينها دون أن يتعدى‏.‏ قال الحسن بن أبي الحسن‏:‏ ما لم يكن حداً أو عوراء جداً واللام في قوله‏:‏ ‏{‏لمن انتصر‏}‏ لام التقاء القسم‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏من سبيل‏}‏ يريد ‏{‏من سبيل‏}‏ حرج ولا سبيل حكم، وهذا إبلاغ في إباحة الانتصار، والخلاف فيه هل هو بين المؤمن والمشرك، أو بين المؤمنين على ما تقدم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏42- 45‏]‏

‏{‏إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ‏(‏42‏)‏ وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ‏(‏43‏)‏ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ ‏(‏44‏)‏ وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ ‏(‏45‏)‏‏}‏

المعنى إنما سبيل الحكم والإثم ‏{‏على الذين يظلمون الناس‏}‏، أي الذين يضعون الأشياء غير مواضعها من القتل وأخذ المال والأذى باليد وباللسان‏.‏ والبغي بغير الحق وهو نوع من أنواع الظلم، خصه بالذكر تنبيهاً على شدته وسوء حال صاحبه، ثم توعدهم تعالى بالعذاب الأليم في الآخرة‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إنما السبيل‏}‏ وقوله‏:‏ ‏{‏أليم‏}‏ اعتراض بين الكلامين، ثم عاد في قوله‏:‏ ‏{‏ولمن صبر‏}‏ إلى الكلام الأول، كأنه قال‏:‏ ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل ولمن صبر وغفر‏.‏ واللام في قوله‏:‏ ‏{‏ولمن صبر‏}‏ يصح أن تكون لام القسم، ويصح أن تكون لام الابتداء‏.‏ و«من» ابتداء‏.‏ وخبره في قوله‏:‏ ‏{‏إن ذلك‏}‏‏.‏ و‏:‏ ‏{‏عزم الأمور‏}‏ محكها ومتقنها والحميد العاقبة منها‏.‏ ومن رأى أن هذه الآية هي فيما بين المؤمنين والمشركين وأن الضمير للمشركين كان أفضل، قال إن الآية نسخت بآية السيف، ومن رأى أن الآية إنما هي بين المؤمنين، قال هي محكمة، والصبر والغفران أفضل إجماعاً، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «إذا كان يوم القيامة نادى مناد، من كان له على الله أجر فليقم، فيقوم عنق من الناس كثير، فيقال ما أجركم‏؟‏ فيقولون‏:‏ نحن الذين عفونا ظلمنا في الدنيا»‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ومن يضلل الله فما له من ولي من بعده‏}‏ تحقير لأمر الكفرة فلا يبال بهم أحد من المؤمنين، فقد أضارهم كفرهم وإضلال الله إياهم إلى ما لا فلاح لهم معه‏.‏ ثم وصف تعالى لنبيه عليه السلام حالهم في القيامة عند رؤيتهم العذاب فاجتزى من صفتهم وصفة حالتهم بأنهم يقولون ‏{‏هل إلى مرد من سبيل‏}‏، وهذه المقالة تدل على سوء ما أطلعوا عليه، والمراد موضوع الرد إلى الدنيا، والمعنى الذي قصدوه أن يكون رد فيكون منهم استدراك للعمل والإيمان‏.‏ والرؤية في هذه الآية‏:‏ رؤية عين‏.‏ والضمير في قوله‏:‏ ‏{‏عليها‏}‏ عائد على النار، وعاد الضمير مع أنها لم يتقدم لها ذكر من حيث دل عليها قوله‏:‏ ‏{‏رأوا العذاب‏}‏ وقوله‏:‏ ‏{‏من الذل‏}‏ يحتمل أن يتعلق ب ‏{‏خاشعين‏}‏ ويحتمل أن يتعلق بما بعده من قوله‏:‏ ‏{‏ينظرون‏}‏‏.‏

وقرأ طلحة بن مصرف‏:‏ «من الذِل» بكسر الذال‏.‏

والخشوع‏:‏ الاستكانة، وقد يكون محموداً، وما يخرجه إلى حالة الذم قوله‏:‏ ‏{‏من الذل‏}‏ فيقوى على هذا تعلق‏:‏ ‏{‏من‏}‏ ب‏:‏ ‏{‏خاشعين‏}‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏من طرف خفي‏}‏ يحتمل ثلاثة معان‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ خفي ذليل‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ لما كان نظرهم ضعيفاً ولحظهم بمهانة وصفه بالخفاء، ومن هذا المعنى قول الشاعر ‏[‏جرير بن عطية‏]‏‏:‏

فغض الطرف إنك من نمير *** وقال قوم فيما حكى الطبري‏:‏ لما كانوا يحشرون عمياً وكان نظرهم بعيون قلوبهم جعله طرفاً خفياً، أي لا يبدو نظرهم، وفي هذا التأويل تكلف‏.‏

وقال قتادة والسدي‏:‏ المعنى يسارقون النظر لما كانوا من الهم وسوء الحال لا يستطيعون النظر بجميع العين، وإنما ينظرون من بعضها‏.‏ قال‏:‏ ‏{‏من طرف خفي‏}‏ أي قليل‏.‏ ف «الطرف» هنا على هذا التأويل يحتمل أن يكون مصدراً، أي يطرف طرفاً خفياً‏.‏ وقول‏:‏ ‏{‏الذين آمنوا‏}‏ هو في يوم القيامة عندما عاينوا حال الكفار وسوء منقلبهم‏.‏ وخسران الأهلين‏:‏ يحتمل أن يراد به أهلوهم الذين كانوا في الدنيا، ويحتمل أن يراد به أهلوهم الذين كانوا يكونون لهم في الجنة أن لو دخلوها‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ألا إن الظالمين في عذاب مقيم‏}‏ يحتمل أن يكون من قول المؤمنين يومئذ حكاه الله عنهم، ويحتمل أن يكون استئنافاً من قول الله تعالى وإخباره لمحمد عليه السلام‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏46- 48‏]‏

‏{‏وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ ‏(‏46‏)‏ اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ ‏(‏47‏)‏ فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ ‏(‏48‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما كان لهم من أولياء‏}‏ إنحاء على الأصنام والأوثان التي أظهر الكفار ولايتها واعتقدت ذلك ديناً، المعنى‏:‏ فما بالهم يوالون هذه التي لا تضر ولا تنفع، ولكن من يضلل الله ‏{‏فما له من سبيل‏}‏ هدى ونجاة، ثم أمر تعالى نبيه أن يأمرهم بالاستجابة لدعوة الله وشريعته، وحذرهم إتيان يوم القيامة الذي لا يرد أحد بعده إلى عمل، والذي لا ملجأ ولا منجا لأحد فيه إلا إلى العلم بالله تعالى والعمل الصالح في الدنيا، فأخبرهم أنه لا ملجأ لهم ولا نكير‏.‏ والنكير مصدر بمعنى الإنكار وهو بمنزلة عديدة الحي ونحوه من المصادر، ويحتمل أن يكون من أبنية اسم الفاعل من نكر، وإن كان المعنى يبعد به، لأن نكر إنما معناه لم يميز وظن الأمر غير ما عهده‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظاً‏}‏ تأنيس لمحمد عليه السلام وإزالة لهمه بهم، وأعلمه أنه ليس عليه إلا البلاغ وتوصيل الحجة، ثم جاءت عبارة في باقي الآية هي بمنزلة ما يقول، والقوم قوم عتو وتناقض أخلاق واضطراب، إذا أذيقوا رحمة فرحوا بها وبطروا، وإن أصابت سيئة أي مصيبة تسوءهم في أجسامهم أي في نفوسهم، وذلك بذنوبهم وقبيح فعلهم فإنهم كفر عند ذلك غير صبر‏.‏ وعبر ب ‏{‏الإنسان‏}‏ الذي هو اسم عام ليدخل في الآية والمذمة جميع الكفرة من المجاورين يومئذ ومن غيرهم، وجمع الضمير في قوله‏:‏ ‏{‏تصبهم‏}‏ وهو عائد على لفظ ‏{‏الإنسان‏}‏ من حيث هو اسم جنس يعم كثيراً‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏49- 53‏]‏

‏{‏لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ ‏(‏49‏)‏ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ‏(‏50‏)‏ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ‏(‏51‏)‏ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ‏(‏52‏)‏ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ ‏(‏53‏)‏‏}‏

الآية الأولى آية اعتبار دال على القدرة والملك المحيط بالجميع، وأن مشيئته تبارك وتعالى نافذة في جميع خلقه وفي كل أمرهم، وهذا لا مدخل لصنم فيه، فإن الذي يخلق ما يشاء ويخترع، فإنما هو الله تبارك وتعالى، وهو الذي يقسم الخلق فيهب الإناث لمن يشاء، أي يجعل بنيه نساء، ويهب الذكور لمن يشاء على هذا الحد، أو ينوعهم مرة يهب ذكراً ويهب أنثى، وذلك معنى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أو يزوجهم‏}‏‏.‏ وقال محمد بن الحنفية‏:‏ يريد بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أو يزوجهم‏}‏ التوأم، أي يجعل في بطنٍ زوجاً من الذرية ذكراً وأنثى‏.‏ والعقيم‏:‏ الذي لا يولد له، وهذا كله مدبر بالعلم والقدرة، وهذه الآية تقضي بفساد وجود الخنثى المشكل‏.‏ وبدئ في هذه الآية بذكر الإناث تأنيساً بهن وتشريفاً لهن ليتهمم بصونهن والإحسان إليهن، وقال النبي عليه السلام‏:‏ «من ابتلي من هذه البنات بشيء فأحسن إليهن كن له حجاباً من النار»‏.‏ وقال واثلة بن الأسقع‏:‏ من يمن المرأة تبكيرها بالأنثى قبل الذكر، لأن الله تعالى بدأ بالإناث، حكاه الثعلبي‏.‏ وقال إسحاق بن بشر‏:‏ نزلت هذه الآية في الأنبياء ثم عمت، فلوط أبو البنات لم يولد له ذكر، وإبراهيم ضده، ومحمد عليه السلام ولد له الصنفان، ويحيى بن زكرياء عقيم‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما كان لبشر أن يكلمه الله‏}‏ الآية نزلت بسبب خوض كان للكفار في معنى تكليم الله موسى ونحو ذلك، ذهبت قريش واليهود في ذلك إلى تجسيم ونحوه، فنزلت الآية مبينة صورة تكليم الله عباده كيف هو، فبين الله أنه لا يكون لأحد من الأنبياء ولا ينبغي له ولا يمكن فيه أن يكلمه الله إلا بأن يوحي إليه أحد وجوه الوحي من الإلهام‏.‏ قال مجاهد، والنفث في القلب‏.‏ وقال النقاش‏:‏ أو وحي في منام‏؟‏ قال إبراهيم النخعي‏:‏ كان من الأنبياء من يخط له في الأرض ونحو هذا، أو بأن يسمعه كلامه دون أن يعرف هو للمتكلم جهة ولا حيزاً كموسى عليه السلام، وهذا معنى‏:‏ ‏{‏من وراء حجاب‏}‏ أي من خفاء عن المتكلم لا يحده ولا يتصور بذهنه عليه، وليس كالحجاب في الشاهد، أو بأن يرسل إليه ملكاً يشافهه بوحي الله تعالى‏.‏ وقرأ جمهور القراء والناس‏:‏ «أو يرسلَ» بالنصب «فيوحيَ» بالنصب أيضاً‏.‏ وقرأ نافع وابن عامر وأهل المدينة‏:‏ «أو يرسلُ» بالرفع «فيوحيَ» بالنصب أيضاً‏.‏ وقرأ نافع وابن عامر وأهل المدينة‏:‏ «أو يرسلُ» بالرفع «فيوحي» بسكون الياء ورفع الفعل‏.‏ فأما القراءة الأولى فقال سيبويه‏:‏ سألت الخليل عنها فقال‏:‏ هي محمولة على ‏{‏أن‏}‏ غير التي في قوله‏:‏ ‏{‏أن يكلمه الله‏}‏ لأن المعنى كان يفسد لو عطف على هذه، وإنما التقدير في قوله‏:‏ ‏{‏وحياً‏}‏ إلا أن يوحي وحياً‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏من وراء حجاب‏}‏، ‏{‏من‏}‏ متعلقة بفعل يدل ظاهر الكلام عليه، تقديره‏:‏ أو يكلمه من وراء حجاب، ثم عطف‏:‏ «أو يرسل» على هذا الفعل المقدر‏.‏

وأما القراءة الثانية فعلى أن «يرسل» في موضع الحال أو على القطع، كأنه قال‏:‏ أو هو يرسل، وكذلك يكون قوله‏:‏ ‏{‏إلا وحياً‏}‏ مصدر في موضع الحال، كما تقول‏:‏ أتيتك ركضاً وعدواً، وكذلك قوله‏:‏ ‏{‏من وراء حجاب‏}‏ في موضع الحال كما هو قوله‏:‏ ‏{‏ويكلم الناس في المهد وكهلاً ومن الصالحين‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 46‏]‏ في موضع الحال، فكذلك ‏{‏من‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 46‏]‏ وما عملت فيه هذه الآية أيضاً، ثم عطف قوله‏:‏ «أو يرسلَ» على هذه الحال المتقدمة‏.‏ وفي هذه الآية دليل على أن الرسالة من أنواع التكليم، وأن الحالف المرسل حانث إذا حلف أن لا يكلم إنساناً فأرسل إليه وهو لم ينو المشافهة وقت يمينه‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وكذلك أوحينا إليك‏}‏ المعنى وبهذه الطرق ومن هذا الجنس أوحينا إليك أو بالرسل‏.‏ والروح في هذه الآية‏:‏ القرآن وهدى الشريعة سماه ‏{‏روحاً‏}‏ من حيث يحيي به البشر والعالم، كما يحيي الجسد بالروح، فهذا على جهة التشبيه‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏من أمرنا‏}‏ أي واحد من أمورنا، ويحتمل أن يكون الأمر بمعنى الكلام، و‏{‏من‏}‏ لابتداء الغاية‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان‏}‏ توقيف على مقدار النعمة‏.‏ والضمير في ‏{‏جعلناه‏}‏ عائد على الكتاب، و‏.‏ ‏{‏يهدي‏}‏ بمعنى يرشد‏.‏

وقرأ جمهور الناس‏:‏ «وإنك لتَهدي» بفتح التاء وكسر الدال‏.‏ وقرأ حوشب‏:‏ «تُهدَى» بضم التاء وفتح الدال على بناء الفعل للمفعول، وفي حرف أبي‏:‏ «لتدعو»، وهي تعضد قراءة الجمهور‏.‏ وقرأ ابن السميفع وعاصم والجحدري‏:‏ «لتُهدِي» بضم التاء وكسر الدال‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏صراط الله‏}‏ يعني صراط شرع الله ورحمته وجنته، فبهذا الوجه ونحوه من التقدير أضيف الصراط إلى الله تعالى‏.‏ واستفتح القول في الإخبار بصيرورة الأمور إلى الله تعالى مبالغة وتحقيقاً وتثبيتاً، والأمور صائرة على الدوام إلى الله تعالى، ولكن جاءت هذه العبارة مستقبلة تقريباً لمن في ذهنه أن شيئاً من الأمور إلى البشر‏.‏ وقال سهيل من أبي الجعد‏:‏ احترق مصحف فلم يبق منه إلا قوله‏:‏ ‏{‏ألا إلى الله تصير الأمور‏}‏‏.‏

سورة الزخرف

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 9‏]‏

‏{‏حم ‏(‏1‏)‏ وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ ‏(‏2‏)‏ إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ‏(‏3‏)‏ وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ‏(‏4‏)‏ أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ ‏(‏5‏)‏ وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ ‏(‏6‏)‏ وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ‏(‏7‏)‏ فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ ‏(‏8‏)‏ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ ‏(‏9‏)‏‏}‏

تقدم القول في الحروف في أوائل السور‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏والكتاب‏}‏ خفض بواو القسم‏.‏ و‏:‏ ‏{‏المبين‏}‏ يحتمل أن يكون من أبان الذي هو بمعنى بان، أي ظهر، فلا يحتاج إلى مفعول، ويحتمل أن يكون معدى من بان، فهذا لا بد من مفعول تقديره‏:‏ المبين الهدى أو الشرع ونحوه‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إنا جعلناه‏}‏ معناه‏:‏ سميناه وصيرناه، وهو إخبار عليه وقع القسم، والضمير في‏:‏ ‏{‏جعلناه‏}‏ عائد على‏:‏ ‏{‏الكتاب‏}‏، و‏:‏ ‏{‏عربياً‏}‏ معناه‏:‏ بلسانكم لئلا يبقى لكم عذر‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏لعلكم تعقلون‏}‏ ترج بحسب معتقد البشر، أي إذا أبصر المبصر من البشر هذا الفعل منا ترجى منه أن يعقل الكلام ويفهم‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإنه‏}‏ عطف على قوله‏:‏ ‏{‏إنا جعلناه‏}‏ وهذا الإخبار الثاني واقع أيضاً تحت القسم‏.‏ و‏:‏ ‏{‏أم الكتاب‏}‏ اللوح المحفوظ، وهذا فيه تشريف للقرآن وترفيع‏.‏

واختلف المتأولون كيف هو في ‏{‏أم الكتاب‏}‏، فقال عكرمة وقتادة والسدي وعطية بن سعيد‏:‏ القرآن بأجمعه فيه منسوخ، ومنه كان جبريل عليه السلام ينزل، وهنالك هو علي حكيم‏.‏ وقال جمهور الناس‏:‏ إنما في اللوح المحفوظ ذكره ودرجته ومكانته من العلو والحكمة‏.‏

وقرأ جمهور الناس‏:‏ «في أُم» بضم الهمزة، وقرأها بكسر الهمزة يوسف والي العراق وعيسى بن عمر‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏أفنضرب‏}‏ بمعنى‏:‏ أفنترك، تقول العرب أضربت عن كذا وضربت إذا أعرضت وتركته‏.‏ و‏:‏ ‏{‏الذكر‏}‏ هنا الدعاء إلى الله والتذكير بعذابه والتخويف من عقابه، وقال أبو صالح‏:‏ ‏{‏الذكر‏}‏ هنا هو العذاب نفسه، وقال الضحاك ومجاهد‏:‏ ‏{‏الذكر‏}‏ القرآن‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏صفحاً‏}‏ انتصابه كانتصاب ‏{‏صنع الله‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 88‏]‏، فيحتمل أن يكون بمعنى العفو والغفر للذنب، فكأنه يقول‏:‏ أفنترك تذكيركم وتخويفكم عفواً عنكم وغفراً لإجرامكم إذ كنتم أو من أجل أن كنتم قوماً مسرفين، أي هذا لا يصلح، وهذا قول ابن عباس ومجاهد، ويحتمل قوله‏:‏ ‏{‏صفحاً‏}‏ أن يكون بمعنى مغفولاً عنه، أي نتركه يمر لا تؤخذون بقبوله ولا بتدبر ولا تنبهون عليه، وهذا المعنى نظير قول الشاعر‏:‏ ‏[‏الطويل‏]‏

تمر الصبا صفحاً بساكن ذي الغضا *** ويصدع قلبي إن يهب هبوبها

أي تمر مغفولاً عنها، فكأن هذا المعنى‏:‏ أفنترككم سدى، وهذا هو منحى قتادة وغيره، ومن اللفظة قول كثير‏:‏ ‏[‏الطويل‏]‏

صفوحاً فما تلقاك إلا بخيلة *** فمن ملّ منها ذلك الوصل ملّت

وقرأ السميط بن عمرو السدوسي‏:‏ «صُفحاً» بضم الصاد‏.‏ وقرأ نافع وحمزة والكسائي‏:‏ «إن كنتم» بكسر الألف، وهو جزاء دل ما تقدم على جوابه‏.‏ وقرأ الباقون والأعرج وقتادة‏:‏ «أن كنتم» بفتح الألف‏.‏ بمعنى من أجل أن، وفي قراءة ابن مسعود‏:‏ «إذ كنتم»‏.‏ والإسراف في الآية‏:‏ هو الكفر والضلال البعيد في عبادة غير الله عز وجل والتشريك به‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وكم أرسلنا من نبي في الأولين‏}‏ الآيات تسلية لمحمد عليه السلام، وذكر إسوة له ووعيد لهم وتهديد بأن يصيبهم ما أصاب من هو أشد بطشاً‏.‏ والأولون‏:‏ هم الأمم الماضية كقوم نوح وعاد وثمود وغيرهم، والضمير في قوله‏:‏ ‏{‏كانوا يستهزئون‏}‏ ظاهره العموم والمراد به الخصوص فيمن استهزأ، وإلا فقد كان في الأولين من لم يستهزئ، والضمير في‏:‏ ‏{‏منهم‏}‏ عائد على قريش‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ومضى مثل الأولين‏}‏ أي سلف أمرهم وسنتهم، وصاروا عبرة عابر الدهر‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولئن سألتهم‏}‏ الآية ابتداء احتجاج على قريش يوجب عليهم التناقض في أمرهم، وذلك أنهم يقرون أن الخالق الموجد لهم وللسماوات والأرض هو الله تعالى، وهم مع ذلك يعبدون أصناماً ويدعونها آلهتهم، ومقتضى جواب قريش أن يقولوا «خلقهن الله» فلما ذكر تعالى المعنى جاءت العبارة عن الله ب ‏{‏العزيز العليم‏}‏ ليكون ذلك توطئة لما عدد بعد من أوصافه التي ابتدأ الإخبار بها وقطعها من الكلام الذي حكى معناه عن قريش‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏10- 14‏]‏

‏{‏الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ‏(‏10‏)‏ وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ ‏(‏11‏)‏ وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ ‏(‏12‏)‏ لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ ‏(‏13‏)‏ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ ‏(‏14‏)‏‏}‏

هذه أوصاف فعل، وهي نعم من الله تعالى على البشر، تقوم بها الحجة على كل كافر مشرك بالله تعالى‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏الذي جعل لكم‏}‏ ليس من قول المسؤولين، بل هو ابتداء إخبار من الله تعالى‏.‏

وقرأ جمهور الناس‏:‏ «مهاداً» وقرأ ابن مسعود وطلحة والأعمش‏:‏ «مهداً»، والمعنى واحد، أي يتمهد ويتصرف فيها‏.‏

والسبل‏:‏ الطرق‏.‏ و‏:‏ ‏{‏تهتدون‏}‏ معناه في المقاصد من بلد إلى بلد ومن قطر إلى قطر، ويحتمل أن يريد‏:‏ ‏{‏تهتدون‏}‏ بالنظر والاعتبار‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏من السماء‏}‏ هو المطر بإجماع، واختلف المتأولون في معنى قوله‏:‏ ‏{‏بقدر‏}‏ فقالت فرقة معناه‏:‏ بقضاء وحتم في الأزل‏.‏ وقال آخرون المعنى‏:‏ بقدر في الكفاية للصلاح لا إكثار فيفسد ولا قلة فيقصر، بل غيثاً مغيثاً سبيلاً نافعاً‏.‏ وقالت فرقة معناه‏:‏ بتقدير وتحرير، أي قدراً معلوماً، ثم اختلف قائلو هذه المقالة، فقال بعضهم‏:‏ ينزل كل عام ماء قدراً واحداً لا يفضل عام عاماً، لكن يكثر مرة هنا ومرة هاهنا‏.‏ وقالت فرقة‏:‏ بل ينزل الله تقديراً ما في عام، وينزل في آخر تقديراً آخر بحسب ما سبق به قضاؤه، لا إله غيره‏.‏ و‏:‏ ‏{‏أنشرنا‏}‏ معناه‏:‏ أحيينا، يقال‏:‏ نشر الميت، وأنشره الله‏.‏ و‏:‏ ‏{‏بلدة‏}‏ اسم جنس، ووصفها ب ‏{‏ميتاً‏}‏ دون ضمير من حيث هي واقعة موقع قطر ونحوه، إذ التأنيث فيها غير حقيقي‏.‏

وقرأ الجمهور‏:‏ «ميْتاً» بسكون الياء‏.‏ وقرأ أبو جعفر بن القعقاع‏:‏ «ميِّتاً» بياء مكسورة مشددة، وهي قراءة عيسى بن عمر، والأول أرجح لشبه لفظها‏:‏ بزور، وعدل، فحسن وصف المؤنث بها‏.‏

وقرأ أكثر السبعة والأعرج وأبو جعفر‏:‏ «كذلك تُخرَجون» بضم التاء وفتح الراء‏.‏ وقرأ حمزة والكسائي وابن وثاب وعبد الله بن جبير المصيح‏:‏ «وكذلك تَخرُجون» بفتح التاء وضم الراء‏.‏

و‏:‏ ‏{‏الأزواج‏}‏ الأنواع من كل شيء، و‏{‏من‏}‏ في قوله‏:‏ ‏{‏من الفلك‏}‏ للتبعيض، وذلك أنه لا يركب من الأنعام غير الإبل، وتدخل الخيل والبغال والحمير فيما يركب بالمعنى‏.‏ واللام في قوله‏:‏ ‏{‏لتستووا‏}‏ لام الأمر، ويحتمل أن تكون لام كي، و‏{‏ما‏}‏ في قوله‏:‏ ‏{‏ما تركبون‏}‏ واقعة على النوع المركوب، والضمير في‏:‏ ‏{‏ظهوره‏}‏ عائد على النوع الذي وقعت عليه ‏{‏ما‏}‏‏.‏

وقد بينت آية ما يقال عند ركوب الفلك، وهو‏:‏ ‏{‏باسم الله مجراها ومرساها، إن ربي لغفور رحيم‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 41‏]‏ وإنما هذه خاصة فيما يركب من الحيوان، ويقال ‏(‏-‏)‏ عند النزول منها‏:‏ اللهم أنزلنا منزلاً مباركاً وأنت خير المنزلين‏.‏ والسنة للراكب إذا ركب أن يقول‏:‏ الحمد لله على نعمة الإسلام، أو على النعمة بمحمد صلى الله عليه وسلم، أو على النعمة في كل حال، وقد روي هذا اللفظ عن علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏{‏سبحان الذي‏}‏ الآية، وركب أبو مجلز لاحق بن حميد وقال‏:‏ «سبحان الله» الآية، ولم يذكر نعمة، وسمعه الحسن بن علي رضي الله عنهما فقال‏:‏ ما هكذا أمرتم، قال أبو مجلز، فقلت له‏:‏ كيف أقول‏؟‏ قال‏:‏ قل الحمد لله الذي هدانا للإسلام، أو نحو هذا، ثم تقول بعد ذلك‏:‏ ‏{‏سبحان الذي‏}‏ الآية، وكان طاوس إذا ركب قال‏:‏ اللهم هذا من منك وفضلك، ثم يقول‏:‏ ‏{‏سبحان الذي‏}‏ الآية، وإن قدرنا أن ذكر النعمة هو بالقلب والتذكير بدأ الراكب‏:‏ ب ‏{‏سبحان الذي سخر‏}‏، وهو يرى نعمة الله في ذلك وفي سواه‏.‏

والمقرن‏:‏ الغالب الضابط المستولي على الأمر المطيق له‏.‏ وروي أن بعض الأعراب ركب جملاً فقيل له قل‏:‏ ‏{‏سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين‏}‏ فقال‏:‏ أما والله إني لمقرن تياه، فضرب به الجمل فوقصه فقتله‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وإنا إلى ربنا لمنقلبون‏}‏ أمر بالإقرار بالبعث وترداد القول به، وذلك داعية إلى استشعار النظر فيه، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الإنسان إذا ركب ولم يقل هذه الآية جاءه الشيطان فقال‏:‏ «تغنه، فإن اكن يحسن غنى، وإلا قال له تمنه، فيتمنى الأباطيل ويقطع زمنه بذلك»‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏15- 19‏]‏

‏{‏وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ ‏(‏15‏)‏ أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ ‏(‏16‏)‏ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ‏(‏17‏)‏ أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ ‏(‏18‏)‏ وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ ‏(‏19‏)‏‏}‏

الضمير في‏:‏ ‏{‏جعلوا‏}‏ لكفار قريش والعرب، والضمير في‏:‏ ‏{‏له‏}‏ لله تعالى‏:‏ والجزء‏:‏ القطع من الشيء، وهو بعض الكل، فكأنهم جعلوا جزءاً من عباده نصيباً له وحظاً، وذلك في قول كثير من المتأولين قول العرب‏:‏ الملائكة بنات الله، وقال بعض أهل اللغة الجزء‏:‏ الإناث، يقال أجزأت المرأة إذا ولدت أنثى، ومنه قول الشاعر‏:‏ ‏[‏البسيط‏]‏

إن أجزأتْ حرة يوماً فلا عجب *** قد تجزئ المرأة المذكار أحيانا

وقد قيل في هذا البيت إنه بيت موضوع‏.‏ وقال قتادة‏:‏ المراد بالجزء‏:‏ الأصنام وفرعون وغيره ممن عبد من دون الله، أي جزءاً نداً، فعلى هذا التأويل فتعقيب الكفرة في فصلين في أمر الأصنام وفي أمر الملائكة، وعلى هذا التأويل الأول فالآية كلها في أمر الملائكة‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن الإنسان لكفور‏}‏ أي بلفظ الجنس العام، والمراد بعض الإنسان، وهو هؤلاء الجاعلون ومن أشبههم‏.‏ و‏:‏ ‏{‏مبين‏}‏ في هذا الموضع غير متعد‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أم اتخذ‏}‏ إضراب وتقرير، وهذه حجة بالغة عليهم‏.‏ إذ المحمود من الأولاد والمحبوب قد خوله الله بني آدم، فكيف يتخذ هو لنفسه النصيب الأدنى‏.‏ ‏{‏وأصفاكم‏}‏ معناه‏:‏ خصكم وجعل ذلك صفوة لكم، ثم قامت الحجة عليهم في هذا المعنى وبانت بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإذا بشر‏}‏ الآية‏.‏ و؛ ‏{‏مسوداً‏}‏ خبر‏:‏ ‏{‏ظل‏}‏‏.‏ والكظيم‏:‏ الممتلئ غيظاً الذي قد رد غيظه إلى جوفه، فهو يتجرعه ويروم رده، وهذا محسوس عند الغيظ، ثم زاد توبيخهم وإفساد رأيهم بقوله‏:‏ ‏{‏أو من ينشأ‏}‏‏.‏ و‏:‏ ‏{‏من‏}‏ في موضع نصب بفعل يدل عليه‏:‏ ‏{‏جعلوا‏}‏ كأنه قال‏:‏ أو من ينشأ في الحلية وهو الذي خصصتم به الله ونحو هذا، والمراد به‏:‏ ‏{‏من‏}‏ النساء، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي، و‏:‏ ‏{‏ينشأ‏}‏ معناه‏:‏ ينبت ويكبر‏.‏

وقرأ جمهور القراء‏:‏ «يَنشأ» بفتح الياء‏.‏ وقرأ ابن عباس وقتادة‏:‏ «يُنشئ» بضم الياء على تعدية الفعل بالهمزة‏.‏ وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص‏:‏ «يُنشأ» بضم الياء وفتح الشين على تعدية الفعل بالتضعيف، وهي قراءة ابن عباس أيضاً والحسن ومجاهد، وفي مصحف ابن مسعود‏:‏ «أومن لا ينشأ إلا في الحلية»‏.‏

و‏:‏ ‏{‏الحلية‏}‏ الحلي من الذهب والفضة والأحجار‏.‏ و‏:‏ ‏{‏الخصام‏}‏ المحاجة ومجاذبة المحاورة، وقل ما تجد امرأة إلا تفسد الكلام وتخلط المعاني، وفي مصحف ابن مسعود‏:‏ «وهو في الكلام غير مبين»‏.‏ و‏:‏ ‏{‏مبين‏}‏ في هذه الآية متعد، والتقدير ‏{‏غير مبين‏}‏ غرضاً أو منزعاً ونحو هذا‏.‏ وقال ابن زيد‏:‏ المراد ب‏:‏ ‏{‏من ينشأ في الحلية‏}‏ الآية‏:‏ الأصنام والأوثان، لأنهم كانوا يتخذون كثيراً منها من الذهب والفضة، وكانوا يجعلون الحلي على كثير منها‏.‏

ولما فرغ تعنيفهم على ما أتوا في جهة الله تعالى بقولهم‏:‏ الملائكة بنات الله، بين تعالى فساداً في مقالتهم بعينها من جهة أخرى من الفساد، وذلك شنيع قولهم في عباد الله مختصين مقربين أنهم إناث‏.‏

وقرأ أكثر السبعة وابن عباس وابن مسعود وابن جبير وعلقمة‏:‏ «عباد الرحمن إناثاً»‏.‏ وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر والحسن وأبو رجاء وأبو جعفر والأعرج وشيبة وقتادة وعمر بن الخطاب رضي الله عنه‏:‏ «عند الرحمن إناثاً» وهذه القراءة أدل على رفع المنزلة وقربها في التكرمة كما قيل‏:‏ ملك مقرب، وقد يتصرف المعنيان في كتاب الله تعالى في وصف الملائكة في غير هذه الآية فقال تعالى‏:‏ ‏{‏بل عباد مكرمون‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 26‏]‏، وقال تعالى في أخرى‏:‏ ‏{‏فالذين عند ربك‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏ 38‏]‏، وفي مصحف ابن مسعود‏:‏ «وجعلوا الملائكة عبد الرحمن إناثاً»‏.‏

وقرأ نافع وحده «أَأُشهدوا» بالهمزتين وبلا مد بينهما، وبفتح الأولى وضم الثانية وتسهيلها بين الهمزة والواو، ورواها المفضل عن عاصم بتحقيق الهمزتين‏.‏ وقرأ المسيبي عن نافع بمد بين الهمزتين‏.‏ وقرأ أبو عمرو ونافع أيضاً وعلي بن أبي طالب وابن عباس ومجاهد‏:‏ «أ‏.‏ شهدوا» بتسهيل الثانية بلا مد‏.‏ وقرأ جماعة من القراء بالتسهيل في الثانية ومدة بينهما‏.‏ وقرأ آخرون‏:‏ «أشهدوا» بهمزة واحدة بغير استفهام، وهي قراءة الزهري، وهي صفة الإناث، أي مشهداً خلقهم‏.‏

ومعنى الآية‏:‏ التوبيخ وإظهار فساد عقولهم، وادعائهم وأنها مجردة من الحجة، وهذا نظير الآية الرادة على المنجمين وأهل البضائع، وهي قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ما أشهدتم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 51‏]‏ الآية‏.‏

وقرأ جمهور الناس‏:‏ «ستُكتب شهادتُهم» برفع الشهادة وبناء الفعل للمفعول‏.‏ وقرأ الأعرج وابن عباس وأبو جعفر وأبو حيوة‏.‏ «سنكتب» بنون الجمع «شهادتَهم» بالنصب وقرأت فرقة‏:‏ «سيكتب» بالياء على معنى‏:‏ سيكتب الله «شهادتَهم» بالنصب‏.‏ وقرأ الحسن بن أبي الحسن‏:‏ «ستُكتب شهاداتُهم» على بناء الفعل للمفعول وجمع الشهادات‏.‏

وفي قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ويسألون‏}‏ وعيد مفصح‏.‏ و‏:‏ ‏{‏أشهدوا‏}‏ في هذه الآية معناه‏:‏ أحضروا وليس ذلك من شهادة تحمل المعاني التي تطلب أن تؤدى‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏20- 25‏]‏

‏{‏وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ‏(‏20‏)‏ أَمْ آَتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ ‏(‏21‏)‏ بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ ‏(‏22‏)‏ وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ ‏(‏23‏)‏ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آَبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ‏(‏24‏)‏ فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ‏(‏25‏)‏‏}‏

ذكر الله تعالى احتجاج الكفار لمذهبهم ليبين فساد منزعهم، وذلك أنهم جعلوا إمهال الله لهم وإنعامه عليهم وهم يعبدون الأصنام، دليلاً على أنه يرضى عبادة الأصنام ديناً، وأن ذلك كالأمر به، فنفى الله عن الكفرة أن يكون لهم علم بهذا وليس عندهم كتاب منزل يقتضي ذلك، وإنما هم يظنون و‏{‏يخرصون‏}‏ ويخمنون، وهذا هو الخرص والتخرص‏.‏

وقرأ جمهور الناس‏:‏ «على أُمة» بضم الهمزة، وهي بمعنى الملة والديانة، والآية على هذا تعيب عليهم التقليد‏.‏ وقرأ مجاهد والعبدري وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه‏:‏ «على إمة» بكسر الهمزة وهي بمعنى النعمة، ومنه قول الأعشى‏:‏

ولا الملك النعمان يوم لقيته *** بإمته يعطي القطوط ويافق

ومنه قول عدي بن زيد‏:‏ ‏[‏الخفيف‏]‏

ثم بعد الفلاح والملك والإمّ *** ة وارتهم هناك القبور

فالآية على هذا استمرار في احتجاجهم، لأنهم يقولون‏:‏ وجدنا آباءنا في نعمة من الله وهم يعبدون الأصنام، فذلك دليل رضاه عنهم، وكذلك اهتدينا نحن بذلك ‏{‏على آثارهم‏}‏‏.‏ وذكر الطبري عن قوم‏:‏ أن الأمة الطريقة، مصدر من قولك‏:‏ أممت كذا أمة ثم ضرب تعالى المثل لنبيه محمد عليه السلام وجعل له الإسوة فيمن مضى من النذر والرسل، وذلك أن المترفين من قومهم وهم أهل التنعم والمال قد قابلوهم بمثل هذه المقالة‏.‏

وقرأ جمهور القراء‏:‏ «قل أولو» والمعنى‏:‏ فقلنا للنذير قل‏.‏ وقرأ ابن عامر وحفص عن عاصم‏:‏ «قال أو لو»، ففي «قال» ضمير بعود على النذير‏.‏ وباقي الآية يدل على أن‏:‏ «قل» في قراءة من قرأها ليست بأمر لمحمد عليه السلام، وإنما هي حكاية لما أمر به النذير‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أو لو‏}‏ هي ألف الاستفهام دخلت على واو عطف جملة كلام على جملة متقدمة، و‏{‏لو‏}‏ في هذا الموضع كأنها شرطية بمعنى أن، كأن معنى الآية‏:‏ وإن جئتكم بأبين وأوضح مما كان آباؤكم عليه فيصح لجاجكم وتقليدكم، فأجاب الكفار حينئذ لرسلهم‏:‏ ‏{‏إنا بما أرسلتم به كافرون‏}‏‏.‏

وفي قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فانتقمنا منهم‏}‏ الآية وعيد لقريش وضرب مثل بمن سلف من الأمم المعذبة المكذبة بأنبيائها كما كذبت هي بمحمد عليه السلام‏.‏

وقرأ جمهور الناس‏:‏ «أو لو جئتكم» وقرأ أبو جعفر وأبو شيخ وخالد‏:‏ «أو لو جئناكم»‏.‏ وقرأ الأعمش‏:‏ «أو لو أتيتم»‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏26- 30‏]‏

‏{‏وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ ‏(‏26‏)‏ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ ‏(‏27‏)‏ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ‏(‏28‏)‏ بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآَبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ ‏(‏29‏)‏ وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ ‏(‏30‏)‏‏}‏

المعنى‏:‏ واذكر إذا قال إبراهيم، ولما ضرب تعالى المثل لمحمد صلى الله عليه وسلم بالنذر وجعلهم إسوة له، خص إبراهيم بالذكر لعظم منزلته، وذكر محمداً صلى الله عليه وسلم بمنابذة إبراهيم عليه السلام لقومه، أي فافعل أنت فعله وتجلد جلده‏.‏ و‏:‏ ‏{‏براء‏}‏ صفة تجري على الواحد والاثنين والجميع كعدل وزور‏.‏

وقرأ جمهور الناس‏:‏ «بَرَاء» بفتح الباء‏.‏ وقرأت فرقة‏:‏ «بُراء» بضم الباء‏.‏ وفي مصحف عبد الله وقراءة الأعمش‏:‏ «إني» بنون واحدة «برئ» قال الفراء‏:‏ ومن الناس من يكتب شكل الهمزة المخففة ألفاً في كل موضع، ولا يراعي حركة ما قبلها، قال‏:‏ فربما كان خط مصحف عبد الله بألف كما في مصحف الجماعة، لكن كان يلفظ بها‏:‏ «برئ» بكسر الراء‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏إلا الذي فطرني‏}‏ قالت فرقة‏:‏ الاستثناء متصل، وكانوا يعرفون الله ويعظمونه، إلا أنهم كانوا يشركون معه أصنامهم، فكأن إبراهيم قال لهم‏:‏ أنا لا أوافقكم إلا على عبادة الله الفاطر‏.‏ وقالت فرقة‏:‏ الاستثناء منقطع، والمعنى‏:‏ لكن الذي فطرني معبودي، وعلى هذا فلم يكونوا يعبدون الله إلا قليلاً ولا كثيراً، وعلل إبراهيم لقومه عبادته بأنه الهادي المنجي من العذاب، وفي هذا استدعاء لهم وترغيب في الله وتطميع برحمته، والضمير في قوله‏:‏ ‏{‏وجعلها كلمة‏}‏ قالت فرقة‏:‏ ذلك عائد على كلمته بالتوحيد في قوله‏:‏ ‏{‏إنني براء‏}‏ وقال مجاهد وقتادة والسدي، ذلك مراد به‏:‏ لا إله إلا الله، وعاد الضمير عليها وإن كانت لم يجر لها ذكر، لأن اللفظ يتضمنها‏.‏ وقال ابن زيد‏:‏ المراد بذلك‏:‏ الإسلام ولفظته، وذلك قوله عليه السلام‏:‏ ‏{‏ومن ذريتنا أمة مسلمة لك‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 128‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏إذ قال له ربه أسلم، قال أسلمت لرب العالمين‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 131‏]‏ وقول الله تعالى ‏{‏هو سماكم المسلمين من قبل‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏ 78‏]‏‏.‏ والعقب‏:‏ الذرية وولد الولد ما امتد فرعهم‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏بل متعت‏}‏ الآية، كلام متصل بما قبله، لأنه لما قال في عقبه، وكانت قريش من عقبه، اقتضى الكلام أن يقدر فيه لكن هؤلاء ليسوا ممن بقيت الكلمة فيهم بل متعتهم‏.‏ والمعنى في الآية‏:‏ بل أمهلت هؤلاء ومتعتهم بالنعمة مع كفرهم حتى جاءهم الحق والرسول، وذلك هو شرع الإسلام والرسول‏:‏ محمد عليه السلام‏.‏

و‏:‏ «متعتُ» بضم التاء هي قراءة البجمهور‏.‏ وقرأ قتادة‏:‏ «متعتَ» بفتح التاء الأخيرة على معنى‏:‏ قل يا رب متعت، ورواها يعقوب عن نافع‏.‏ وقرأ الأعمش‏:‏ «بل متعنا»، وهي تعضد قراءة الجمهور‏.‏ و‏:‏ ‏{‏مبين‏}‏ في هذه الآية يحتمل التعدي وترك التعدي‏.‏

ثم أخبر تعالى عنهم على جهة التقريع بأنهم ‏{‏قالوا‏}‏ للقرآن‏:‏ ‏{‏هذا سحر‏}‏ وأنهم كفروا به، وإنما جعلوه بزعمهم سحراً من حيث كان عندهم يفرق بين المرء وولده وزوجه، فجعلوه لذلك كالسحر، ولم ينظروا إلى الفرق في أن المفارق بالقرآن يفارق عن بصيرة في الدين، والمفارق بالسحر يفارق عن خلل في ذهنه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏31- 35‏]‏

‏{‏وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآَنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ‏(‏31‏)‏ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ‏(‏32‏)‏ وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ ‏(‏33‏)‏ وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ ‏(‏34‏)‏ وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ ‏(‏35‏)‏‏}‏

الضمير في ‏{‏قالوا‏}‏ لقريش، وذلك أنهم استبعدوا أولاً أن يرسل الله بشراً، فلما تقرر أمر موسى وعيسى وإبراهيم ولم يكن لهم في ذلك مدفع، رجعوا يناقضون فيما يخض محمداً عليه السلام بعينه، فقالوا‏:‏ لم كان محمد ولم يكن نزول الشرع ‏{‏على رجل‏}‏ من إحدى الفرقتين ‏{‏عظيم‏}‏، وقدر المبرد قولهم على رجل من رجلين من القريتين، والقريتان‏:‏ مكة والطائف، ورجل مكة الذي أشاروا إليه‏:‏ قال ابن عباس وقتادة هو‏:‏ الوليد بن المغيرة المخزومي‏.‏ وقال مجاهد هو‏:‏ عتبة بن ربيعة‏.‏ وقال قتادة‏:‏ بلغنا أنه لم يبق فخذ من قريش إلا ادعاه‏.‏ ورجل الطائف قال قتادة هو‏:‏ عروة بن مسعود‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ حبيب بن عبد بن عمير‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ كنانة بن عبد ياليل‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وإنما قصدوا إلى من عظم ذكره بالسن والقدم، وإلا فرسول الله صلى الله عليه وسلم كان حينئذ أعظم من هؤلاء، لكن لما عظم أولئك قبل مدة النبي وفي صباه استمر ذلك لهم‏.‏

ثم وقف على جهة التوبيخ لهم بقوله‏:‏ ‏{‏أهم يقسمون رحمة ربك‏}‏ المعنى على اختيارهم وإرادتهم تنقسم الفضائل والمكانة عند الله‏.‏ والرحمة‏:‏ اسم يعم جميع هذا‏.‏ ثم أخبر تعالى خبراً جازماً بأنه قاسم المعايش والدرجات في الدنيا ليسخر بعض الناس بعضاً، المعنى فإذا كان اهتمامنا بهم أن نقسم هذا الحقير الفاني، فأحرى أن نقسم الأهم الخطير‏.‏

وفي قوله تعالى‏:‏ ‏{‏نحن قسمنا بينهم معيشتهم‏}‏ تزهيد في السعايات، وعون على التوكل على الله تعالى، ولله در القائل‏:‏ ‏[‏الرجز‏]‏

لما أتى نحن قسمنا بينهم زال المرا *** وقرأ الجمهور‏:‏ «معيشتهم»‏.‏ وقرأ ابن مسعود والأعمش‏:‏ «معائشهم»‏.‏

وقرأ جمهور الناس «سُخرياً» بضم السين‏.‏ وقرأ أبو رجاء وابن محيصن‏:‏ «سِخرياً» بكسر السين، وهما لغتان في معنى التسخير، ولا مدخل لمعنى الهزء في هذه الآية‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ورحمة ربك خير مما يجمعون‏}‏ قال قتادة والسدي‏:‏ يعني الجنة‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ لا شك أن الجنة هي الغاية، ورحمة الله في الدنيا بالهداية، والإيمان خير من كل مال، وهذا اللفظ تحقير للدنيا، ثم استمر القول في تحقيرها بقوله‏:‏ ‏{‏ولولا أن يكون للناس‏}‏ الآية، وذلك أن معنى الآية‏:‏ أن الله تعالى أبقى على عبيده وأنعم بمراعاة بقاء الخير والإيمان وشاء حفظه على طائفة منهم بقية الدهر، ولولا كراهية أن يكون الناس كفاراً كلهم وأهل حب في الدنيا وتجرد لها لوسع على الكفار غاية التوسعة ومكنهم من الدنيا، إذ حقارتهم عنده تقتضي ذلك، لأنها لا قدر لها ولا وزن لفنائها وذهاب رسومها، فقوله‏:‏ ‏{‏أمة واحدة‏}‏ معناه‏:‏ في الكفر، قاله ابن عباس والحسن وقتادة والسدي، ومن هذا المعنى قول النبي عليه السلام‏:‏

«لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء» ثم يتركب معنى الآية على معنى هذا الحديث‏.‏ واللام في قوله‏:‏ ‏{‏لكن يكفر بالرحمن‏}‏ لام الملك‏.‏ واللام في قوله‏:‏ ‏{‏لبيوتهم‏}‏ لام تخصيص، كما تقول‏:‏ هذا الكساء لزيد لدابته، أي هو لدابته حلس ولزيد ملك‏.‏ قال المهدوي‏:‏ ودلت هذه الآية على أن السقف لرب البيت الأسفل لا لصاحب العلو، إذ هو منسوب إلى البيوت، وهذا تفقه واهن‏.‏

وقرأ جمهور القراء‏:‏ «سقُفا» بضم السين والقاف‏.‏ وقرأ مجاهد‏:‏ «سَقْفاً» بضم السين وسكون القاف على الإفراد‏.‏

والمعارج‏:‏ الأدراج التي يطلع عليها، قاله ابن عباس وقتادة والناس‏.‏ وقرأ طلحة‏:‏ «معاريج» بزيادة ياء‏.‏ و‏:‏ ‏{‏يظهرون‏}‏ معناه يعلون، ومنه حديث عائشة رضي الله عنها‏:‏ والشمس في حجرتها لم تظهر‏.‏ والسرر‏:‏ جمع سرير‏.‏

واختلف الناس في الزخرف، فقال ابن عباس والحسن وقتادة والسدي‏:‏ الزخرف‏:‏ الذهب نفسه وروي عن النبي عليه السلام أنه قال‏:‏ «إياكم والحمرة فإنها من أحب الزينة إلى الشيطان»‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ الحسن أحمر، والشهوات تتبعه‏.‏

وقال ابن زيد‏:‏ الزخرف أثاث البيت وما يتخذ له من الستور والنمارق ونحوه‏.‏ وقالت فرقة الزخرف‏:‏ التزاويق والنقش ونحوه من التزيين وشاهد هذا القول‏:‏ ‏{‏حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 24‏]‏‏.‏

وقرأ جمهور القراء‏:‏ «وإن كل ذلك لمَا» بتخفيف الميم من «لمَا» ف «إنْ» مخففة من الثقيلة، واللام في‏:‏ «لمَا» داخلة لتفصل بين النفي والإيجاب‏.‏ وقرأ عاصم وحمزة وهشام بخلاف عنه، والحسن وطلحة والأعمش وعيسى‏:‏ «لمَّا متاع» بتشديد الميم من «لمّا» فإن «لمّا» نافية بمعنى ما‏.‏ و‏{‏لما‏}‏‏:‏ بمعنى‏:‏ إلا، وقد حكى سيبويه نشدتك الله لما فعلت، وحمله على إلا‏.‏ وفي مصحف أبي بن كعب‏:‏ «وما ذلك إلا متاع الحياة الدنيا»‏.‏ وقرأ أبو رجاء‏:‏ «لِمَا» بكسر اللام وتخفيف، الميم، ف «ما» بمعنى الذي، والعائد عليها محذوف، والتقدير‏:‏ وإن كل ذلك للذي هو متاع الحياة الدنيا‏.‏

وفي قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والآخرة عند ربك للمتقين‏}‏ وعد كريم وتحريض على التقوى، إذ في الآخرة هو التباين في المنازل‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏36- 39‏]‏

‏{‏وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ‏(‏36‏)‏ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ ‏(‏37‏)‏ حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ ‏(‏38‏)‏ وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ ‏(‏39‏)‏‏}‏

‏{‏من‏}‏ في قوله‏:‏ ‏{‏ومن يعش‏}‏ شرطية، وعشى يعشو، معناه‏:‏ قل الإبصار منه كالذي يعتري في الليل، وكذلك هو الأعشى من الرجال، ويقال أيضاً‏:‏ عشى الرجل يعشي عشاء إذا فسد بصره فلم ير، أو لم ير إلا قليلاً‏.‏

وقرأ قتادة ويحيى بن سلام البصري‏:‏ «ومن يعشَ» بفتح الشين، وهي من قولهم‏:‏ عشى يعشي، والأكثر عشى يعشو، ومنه قول الشاعر ‏[‏الحطيئة‏]‏‏:‏ ‏[‏الطويل‏]‏

متى تأته تعشو إلى ضوء ناره *** تجد خير نار عندها خير موقد

وفي شعر آخر ‏[‏عبد الله بن الحر‏]‏‏:‏

تجد حطباً جزلاً وجمراً تأججا *** وقرأ الأعمش‏:‏ «ومن يعش عن الرحمن»، وسقط‏:‏ ‏{‏ذكر‏}‏‏.‏

فالمعنى في الآية‏:‏ ومن يقل نظره في شرع الله ويغمض جفونه عن النظر في ذكر الرحمن، أي فيما ذكر به عباده، فالمصدر إلى الفاعل، ‏{‏نقيض له شيطاناً‏}‏ أي نيسر له ونعد، وهذا هو العقاب على الكفر بالحتم وعدم الفلاح، وهذا كما يقال‏:‏ إن الله يعاقب على المعصية بالتزيد في المعاصي، ويجازي على الحسنة بالتزيد من الحسنات، وقد روي هذا المعنى مرفوعاً‏.‏

وقرأ الجمهور‏:‏ «نقيض» بالنون‏.‏ وقرأ الأعمش‏:‏ «يقيض»، بالياء «شيطاناً»، أي يقيض الله‏.‏ وقرأ ابن عباس‏:‏ «يُقيَّض له شيطانٌ»، بفتح الياء الثانية وشدها ورفع النون من «شيطانٌ»‏.‏

والضمير في قوله‏:‏ ‏{‏وإنهم‏}‏ عائد على الشياطين‏.‏ وفي‏:‏ ‏{‏يصدونهم‏}‏ على الكفار‏.‏ و‏:‏ ‏{‏السبيل‏}‏ هي سبيل الهدى والفوز‏.‏ والضمير في‏:‏ ‏{‏يحسبون‏}‏ للكفار‏.‏

وقرأ نافع وابن كثير وعاصم في رواية أبي بكر، وابن عامر وأبو جعفر وشيبة وقتادة والزهري والجحدري‏:‏ «حتى إذا جاءانا» على التثنية، يريد العاشي والقرين، قاله سعيد الجريري وقتادة‏.‏ وقرأ أبو عمرو والحسن وابن محيصن والأعرج وعيسى والأعمش وعاصم وحمزة والكسائي‏:‏ «جاءنا» يريد العاشي وحده‏.‏ وفاعل‏:‏ ‏{‏قال‏}‏ هو العاشي‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏بعد المشرقين‏}‏ يحتمل ثلاثة معان، أحدهما‏:‏ أن يريد بعد المشرق من المغرب، فسماهما مشرقين، كما يقال‏:‏ القمران والعمران، قال الفرزدق‏:‏

لما قمراها والنجوم الطوالع *** والثاني‏:‏ أن يريد مشرق الشمس في أطول يوم، ومشرقها في أقصر يوم، فكأنه أخذ نهايتي المشارق‏.‏ والثالث‏:‏ أن يريد ‏{‏بعد المشرقين‏}‏ من المغربين، فاكتفى بذكر ‏{‏المشرقين‏}‏‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولن ينفعكم اليوم‏}‏ الآية حكاية عن مقالة تقال لهم يوم القيامة، وهي مقالة موحشة حرمتهم روح التأسي، لأنه يوقفهم بها على أنهم لا ينفعهم التأسي، وذلك لعظم المصيبة وطول العذاب واستمرار مدته، إذ التأسي راحة كل شيء في الدنيا في الأغلب، ألا ترى إلى قول الخنساء‏:‏ ‏[‏الوافر‏]‏

ولولا كثرة الباكين حولي *** على إخوانهم لقتلت نفسي

وما يبكون مثل أخي ولكن *** أعزي النفس عنه بالتأسي

فهذا التأسي قد كفاها مؤونة قتل النفس، فنفى الله تعالى عنهم الانتفاع بالتأسي، وفي ذلك تعذيب لهم ويأس من كل خير، وفاعل قوله‏:‏ ‏{‏ينفعكم‏}‏ الاشتراك‏.‏

وقرأ جمهور القراء‏:‏ «أنكم» بفتح الألف‏.‏ وقرأ ابن عامر وحده‏:‏ «إنكم» بكسر الألف، وقد يجوز أن يكون الفاعل ‏{‏ينفعكم‏}‏ التبري الذي يدل عليه قوله‏:‏ ‏{‏يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين‏}‏ وعلى هذا يكون «أنكم» في موضع نصب على المفعول من أجله، وتخرج الآية على معنى نفي الأسوة‏.‏